الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
207
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والباء في قوله : بِالشَّهْرِ الْحَرامِ للتعويض كقولهم : صاعا بصاع وليس ثمة شهران بل المراد انتهاك الحرمة منهم ومنكم وهما انتهاكان . والتعريف في الشهر هنا في الموضعين يجوز أن يكون تعريف الجنس وهو الأظهر ، لأنه يفيد حكما عاما ويشمل كل شهر خاص من الأشهر الحرم على فرض كون المقصود شهر عمرة القضية ، ويجوز أن يكون التعريف للعهد إن كان المراد شهر عمرة القضية . والأشهر الحرم أربعة : ثلاثة متتابعة هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، وحرمتها لوقوع الحج فيها ذهابا ورجوعا وأداء ، وشهر واحد مفرد وهو رجب وكان في الجاهلية شهر العمرة وقد حرّمته مضر كلها ولذلك يقال له : رجب مضر ، وقد أشير إليها في قوله تعالى : مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ [ التوبة : 36 ] . وقوله : وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ تعميم للحكم ولذلك عطفه ليكون كالحجة لما قبله من قوله : وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ [ البقرة : 191 ] وقوله : الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ إلخ ، فالجملة تذييل والواو اعتراضية . ومعنى كونها قصاصا أي مماثلة في المجازاة والانتصاف ، فمن انتهكها بجناية يعاقب فيها جزاء جنايته ، وذلك أن اللّه جعل الحرمة للأشهر الحرم لقصد الأمن فإذا أراد أحد أن يتخذ ذلك ذريعة إلى غدر الأمن أو الإضرار به فعلى الآخر الدفاع عن نفسه ، لأن حرمة الناس مقدمة على حرمة الأزمنة ، ويشمل ذلك حرمة المكان كما تقدم في قوله تعالى : وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ [ البقرة : 191 ] ، والإخبار عن الحرمات بلفظ ( قصاص ) إخبار بالمصدر للمبالغة . وقوله : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ تفريع عن قوله : وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ ونتيجة له ، وهذا وجه قول « الكشاف » : إنه فذلكة ، وسمي جزاء الاعتداء اعتداء مشاكلة على نحو ما تقدم آنفا في قوله : فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ [ البقرة : 193 ] . وقوله : بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ يشمل المماثلة في المقدار وفي الأحوال ككونه في الشهر الحرام أو البلد الحرام . وقوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ أمر بالاتقاء في الاعتداء أي بألا يتجاوز الحد ، لأن شأن المنتقم أن يكون عن غضب فهو مظنة الإفراط . وقوله : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ افتتاح الكلام بكلمة اعلم إيذان بالاهتمام بما